حسن بن موسى القادري
254
شرح حكم الشيخ الأكبر
وما قال في موضع : لمن كان له عقل ، فهو قيد يقيد الموصوف به بما يؤدي إليه فكره ونظره ، ويقال : عقل البعير بالعقال أي : قيده به ، وعقل الدواء البطن فهو قيد لغة وحقيقة ، فليس في القرآن ذكرى لمن كان له عقل ؛ لأنه مقيد بما قيده به فكره ، وإن رأى في القرآن ما يخالف ما يؤديه فكره يؤوله إلى معنى يوافق ما أدى إليه فكره ، وأوّلوا ( الألباب ) ، ومن له قلب لا يؤولون شيئا ولا ينكرون شيئا ، واللّه يقول الحق وهو يهدي السبيل . فما أوسع قلب العارف حيث أنه بإطلاقه مقابل لإطلاق الحق ، والحق أوسع وأعظم ؛ لأنه غير متناهي ، والقلب يسعه على ما ثبت بالحديث القدسي ، وما يسع الغير المتناهي غير متناهي أيضا ، وفي هذا قال سلطان الزاهدين ورأس العارفين وإمام الواصلين أبو يزيد البسطامي قدس سره : « لو أن العرش وما حواه من السماوات والأرض وما بينهما وما فيها مائة ألف ألف مرة وقع في زاوية من زوايا قلب العارف ما أحسّ بها ؛ لأن العرش وما فيه متناهي ، ولا قدر للمتناهي بالنسبة إلى غير المتناهي » . وقال الشيخ الأكبر قدس سره : بل قلب العارف لو وقع في زاوية من زواياه ما لا يتناهى وجوده مما وجد ويوجد إلى الأبد بفرض انتهاء وجوده ولو كان مستحيلا ؛ لأن غير المتناهي لا يحاط به مع التي هي واسطة في إيجاده وهو الحق المخلوق به الخلق أشار إليه بقوله تعالى : وَما خَلَقْنَا السَّماواتِ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما إِلَّا بِالْحَقِّ [ الحجر : 85 ] . ما أحسّ بذلك حال كونه منطويا فيما بين معلومات ، واستدل لما قاله بقوله : فإنه قد ثبت بحديث : « لا يسعني أرضي ولا سمائي ، ولكن يسعني قلب عبدي المؤمن « 1 » » . إن القلب وسع الحق لاستعداده للتجليات الأسمائية والذاتية الغير المتناهية واحدا بعد واحد ، ومع ذلك لا يقنع بما حصل له فلا يروى ؛ إذ كل تجل يورث له استعدادا آخر إلى غير النهاية . فالعارف في كل زمان يطلب الزيادة من التجلي ؛ لأنه ليس له نهاية يقف التجلّي
--> ( 1 ) ذكره العجلوني في كشف الخفاء ( 2 / 255 ) ، والمناوي في فيض القدير ( 2 / 496 ) ، فكان القلب يسع الفيوضات ضرورة ، ولا تظن أن القلب هو هذا الصنوبري ، بل هو اللطيفة التي تكون مظهرا لكل الأسماء .